مايكل أنجلو أنطونيوني

ولد المخرج الإيطالي الراحل مايكل أنجلو أنطونيوني في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 1912 في فيريرا في إميليا رومانيا بشمال إيطاليا، في عائلة من ملاك الأراضي، وكان عندما لا يزال طفلا يهوى الرسم والموسيقي، ويعزف الكمان قبل الأوان، كانت أول حفلة له في سن التاسعة، يقول أنطونيوني عن طفولته: ” كانت طفولتي سعيدة، وأمي كانت امرأة ذكية ودافئة المشاعر، وكانت عاملة في أيام الشباب، أما أبي فقد كان رجلا صالحا هو الآخر، ولد في عائلة تنتمي للطبقة العاملة، ونجح في الاستحواذ على وضع مريح من خلال الدورات التدريبية الليلية والعمل الشاق، لقد أطلق والدي ووالدتي لي العنان لفعل ما أرغب فيه”.


على الرغم من تخليه عن عزف الكمان بعد اكتشافه عالم السينما في سنوات المراهقة، كان يهوى الرسم طيلة حياته، يقول أنطونيوني: ” كانت إحدى ألعابي المفضلة عبارة عن تنظيم المدن، لقد كنت أبني مباني وشوارع رغم جهلي بالهندسة وأملؤها بأشخاص صغار، وابتكر قصصاً من أجلهم، كانت هذه الأحداث الطفولية أشبه بأفلام صغيرة بالنسبة لي”.
بعد أن تخرج أنطونيوني من جامعة بولونيا في قسم الاقتصاد، بدأ في الكتابة لصحيفة فيريرا المحلية في عام 1935 بصفته صحافيا سينمائيا، وفي عام 1940 انتقل إلى روما حيث كان يعمل في المجلة السينمائية الفاشية الرسمية (سينما) التي كان يحررها فيتوريو موسوليني، ثم طرد أنطونيوني من المجلة بعد عدة أشهر، والتحق بـ (Centro Sperimentale di Cinematografia) لدراسة التكنيك السينمائي، لكنه تركه بعد ثلاثة أشهر من أجل تأدية الخدمة العسكرية.
في عام 1942 شارك أنطونيوني في كتابة فيلم Un pilota ritorna مع روبرتو روسيلليني، وعمل كمساعد مخرج مع انريكو فولكجينوني في فيلم I due Foscari. وفي عام 1943 سافر إلى فرنسا ليعمل كمساعد مع مارسيل كارنيه في فيلم Les visiteurs du soir، ثم بدأ أنطونيوني في صناعة سلسلة من الأفلام القصيرة التي بدأها بفيلم Gente del Po الذي يتحدث عن الصيادين الفقراء في وادي بو، وكانت هذه الأفلام في أسلوبها تنتمي للواقعية الجديدة، لكونها دراسات سينمائية شبه وثائقية عن حياة الأشخاص العاديين.
مع ذلك ابتعد أول أفلامه الروائية الطويلة (حكاية.. علاقة حب Story of a Love Affair ) في عام 1950 عن الواقعية الجديدة عن طريق تصوير الطبقة المتوسطة، وقد واصل أنطونيوني فعل ذلك في بعض أفلامه التالية، حيث قدم بعد ذلك فيلم (المهزوم The Vanquished ) وهي ثلاثية تدور كل قصة منها في مكان مختلف (فرنسا وايطاليا وبريطانيا) عن الأحداث الجانحين، ثم قدم فيلم (السيدة بدون زهور الكاميليا The Lady Without Camellia ) في عام 1953 الذي يدور عن نجمة سينمائية شابة وأفول نجمها، وفيلم ( الصديقات The Girlfriends) في عام 1955 والذي تدور أحداثه حول مجموعة من نساء الطبقة المتوسطة في تورين، ثم يعود للحديث عن الطبقة العاملة مرة أخرى في فيلم (الإحتجاج The Outcry) في عام 1957 ليحكي عن علاقة عامل مصنع بإبنته.
ويأتي أول لقاء لأنطونيوني مع العالمية في عام 1960 مع فيلمه (المغامرة The Adventure) الذي استخدم فيه اللقطات الطويلة وسلاسل من الأحداث غير المترابطة بدلا من أسلوب التعليق التقليدي، وقد لاقي الفيلم عند عرضه في مهرجان كان السينمائي مزيجا من الاستحسان والاستهجان، مع ذلك حظي الفيلم بشعبية كبيرة في المراكز السينمائية حول العالم.
وكان يُنظر لفيلم (المغامرة) والفيلمين اللذين تلياه (الليل The Night) من بطولة مارشيلو ماستروياني وجين مورو، وفيلم (الكسوف The Eclipse ) من بطولة الآن ديلون، على أنها ثلاثية لأنها تتبع جميعها نفس الأسلوب، ولأنها تهتم بموضوع اغتراب الإنسان في العالم الحديث، وقد فاز الفيلم الثاني من هذه الثلاثية بجائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين السينمائي في دورته الحادية عشر.
ثم أخرج أول أفلامه الملونة (الصحراء الحمراء Red Desert) الذي يعد جزء رابع يضاف للثلاثية السابقة، وجميع هذه الأفلام شارك في بطولتها مونيكا فيتي التي كانت حبيبة أنطونيوني في ذلك الوقت.
بعد ذلك وقع أنطونيوني عقدا مع المنتج كارلو بونتي لتقديم ثلاثة أفلام باللغة الانجليزية لكي يتم إطلاقها من خلال شركة مترو جولدن ماير والتي يعطيه من خلالها مطلق الحرية الفنية، وكان الأول هو فيلم (صورة مكبرة Blow-up ) في عام 1966 الذي قام ببطولته دافيد هامجنز وفينسا ريدجريف، والمقتبس عن قصة قصيرة للكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاراز، وعلى الرغم من تعامل الفيلم مع مواضيع فلسفية مثيرة للتحدي مثل استحالة وجود المعايير الموضوعية وحقيقة الذاكرة المشكوك فيها دائما، حقق الفيلم نجاحا جماهيريا كبيرا، وترشح عنه أنطونيوني لجائزتي أوسكار أفضل مخرج وأفضل سيناريو، وحاز عنه جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائي، أما الفيلم الثاني فهو (نقطة زابرسكي Zabriskie Point 1970 ) وهو أول فيلم يصوره في الولايات المتحدة الأمريكية، واستخدم أنطونيوني في هذا الفيلم موسيقي بينك فلويد وجريتفول ديد ورولينغ ستونز، ومع ذلك لم يحقق الفيلم أي نجاح نقدي أو جماهيري، والفيلم الثالث هو (العابر The Passenger) الذي يعرف أيضا باسم (المهنة: صحفي Profession :Reporter) في عام 1975 من بطولة جاك نيكلسون وماريا شنايدر الذي نال الثناء النقدي لكنه لم يحوز على النجاح الجماهيري، وخرج من التوزيع لسنوات طويلة، ثم عرض مرة أخرى على نطاق محدود في عام 2005.
في عام 1972، تمت دعوة أنطونيوني من قبل حكومة ماو لزيارة جمهورية الصين الشعبية، وصنع هناك الفيلم الوثائقي (Chung kuo, Cina) ولكن السلطات الصينية قامت بشجب الفيلم بدعوى أنه “ضد الصين” و”ضد الشيوعية”، وعرض هذا الفيلم لأول مرة في الصين في عام 2004 في إطار مهرجان سينمائي أقيم برعاية أكاديمية السينما في بكين بهدف تكريم أعمال أنطونيوني.
وفي عام 1980، قدم أنطونيوني (لغز أبروالد The Mystery of Oberwald ) الذي تم تصويره في البداية بكاميرا الفيديو ثم طبع سينمائيا، وقام ببطولة الفيلم مونيكا فيتي، والفيلم مقتبس عن مسرحية لجين كوكتو بعنوان (الصقر ذو الرأسين)، ثم أخرج فيلمه التالي في ايطاليا بعنوان (تعريف امرأة Identification of a woman) والذي يتعامل من خلاله مع المواضيع التي تناولها سابقا في ثلاثيته الإيطالية.
أصيب أنطونيوني في عام 1985 بأزمة قلبية صار على أثرها مشلول جزئيا وغير قادر على الكلام، لكنه مع ذلك ظل يصنع الأفلام، بما فيها فيلم (وراء الغيوم Beyond The Clouds ) الذي صور بعض مشاهده المخرج الألماني فيم فندرز الذي يقول أن أنطونيوني رفض تقريبا كل ما صوره أثناء عملية المونتاج فيما عدا بعض المقاطع.
منح أنطونيوني جائزة الأوسكار الشرفية في عام 1994 اعترافا بمكانته السينمائية العالمية وقد قدمها له جاك نيكلسون، أما آخر فيلم قدمه أنطونيوني وهو في التسعين من عمره فهو فيلم قصير شارك به في الفيلم الجماعي Eros الذي شارك فيه أيضا ستيفن سودربرج وكار واي وانج.
ورحل انطونيوني عن عالمنا في الثلاثين من يوليو عام 2007 في روما، والمثير للدهشة أنه نفس اليوم الذي توفي فيه أيضا المخرج السويدي الكبير أنجمار بيرجمان، وتكريما لهما قام مارتن سكورسيزي بالكتابة عن أنطونيوني، وقام وودي الآن بالكتابة عن بيرجمان في جريدة الجارديان في عدد واحد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *