فجر السينما: 10 أفلام صامته غيرت شكل الصناعة…

yg4wwt5w

,’مع دخول صناعة السينما فى القرن الحادى والعشرين..  ومع ما حدث من تطور تقنى رهيب فاق حدود المعقول، أصبح الكثيرين الأن لا يطيقوا مشاهدة الأفلام الكلاسيكية أو القديمة نسبياً والتى تنتمى إلى الخمسينيات والستينيات وما بعدها.. حيث يرون فيها جموداً ورتابة لم يعتادوها فى ما هم يشاهدونه حالياً من سرعة فى الإيقاع وتلاحق فى الأحداث و زخم بصرى مبهر بغض النظر عن القيمة الفنية المطروحة فى العمل.. لذا هؤلاء – وأنا أعذرهم فى هذا – لن يتذوقوا ما سأتحدث عنه حالياً..
سينما بدايات القرن العشرين.. السينما التى تنتمى لحقب العشرات والعشرينيات.. كما ذكرت الكثيرين سيعافوا الموضوع ولن يجربوا دخلوه من الأصل من مجرد رؤيتهم للعنوان (ما هذا؟؟ أفلامُ ُصامته .. عم سيتحدث هذا المخبول؟؟) هكذا سيقولون.. أما هؤلاء الذين سيجذبهم الحديث عن مثل هذه الأشياء هم – فى رأيى الخاص – العشاق الحقيقيين لهذا الفن.. هؤلاء الذين يتذوقوا جمال السينما ليس فى تقنياتها الحديثة أو فى إبهارها.. إنما هؤلاء الذين يقدرون ويعوا قيمة الكلاسيكيات التى دشنت الصناعة وكانت حجر الأساس فى بناء هذا الفن الأكثر جماهيرية.. هؤلاء الذين يشاهدوا الأفلام كدراسة وإستمتاع وتتلمذ على يد الرواد الأوائل.
هنا سنتعرف على أهم الأفلام الصامته التى دخلت التاريخ وقبعت فى ذاكرة الملاييين من محبى هذا الفن.. الأفلام التى إجتازت إختبار الزمن بنجاح وكتب لها الخلود للأبد.. أفلام قد تكمن قيمتها الحقيقية فى أساليبها البدائية التى كان صناعها يتحايلون بها بكل طريقة ممكنة كى يقدموا رؤاهم على الشاشة كما أرادوا لها أن تكون.

ملحوظة صغيرة قبل أن نبدأ :
إن تحديد مدة الفيلم لهى مشكلة مروعة الصعوبة، الرقم المذكور هنا فى المقال لا يطابق بالضرورة النسخة التى رأيتها أنت، لأنه أحياناً يعاد مونتاج الفيلم قبل عرضه فيما وراء البحار، أو قبل إعادة عرضه محلياً، وغالباً ما يقلل هذا من طول الفيلم، وأحياناً يزيده طولاً. أيضاً تختصر الأفلام فى عروض التلفزيون لتلائم المساحة الزمنية المتاحة، أما طول الفيلم على شرائط الفيديو فيكاد لا يختلف إلا قليلاً عن الطول الأصلى، لأن نظم النقل تسرع قليلاً عن السرعة الأصلية للعرض السينمائى (25 كادر فى الثانية بدلاً من 24) .. أيضاً النسخة الدىفىدى من الفيلم تتباين أطوالها .. فمن نسخة مرممة إلى إصدار خاص إلى النسخة الأصلية إلى قطع المخرج ..إلخ
لذا إعتمدت هنا على ذكرى لأطوال الأفلام على طول “النسخة الأصلية” التى صدرت فى العرض السينمائى الأصلى للفيلم .. إيماناً منى بأنها النسخة الأكثر دقة وهى الشىء الذى أراده المخرج فى أول الأمر.

رحلة إلى القمر Le Voyage dans la Lune,1902

مدة الفيلم : 14 دقيقة
إنتاج : فرنسى
إخراج : جورج ميليس

تبدأ رحلتنا فى العام (1902) مع البدايات الأولى للسينما، الحاوى الفرنسى “جورج ميليس” – أبو الفيلم الروائى – هو أول من حاول إدخال الخدع إلى الفن السينمائى، فلقد شعر ميليس أنه عن طريق التلاعب بالكاميرا أثناء التصوير أو بالشريط السينمائى بعد ذلك بالمزج و الدمج فيه أو إستخدام “الطبع المزدوج” عليه أن هذا من الممكن أن يخلق خدعاً لا حصر لها – وبتكلفة بسيطه للغاية – وهو ما حققه فى النسخة السينمائية الأولى لرواية “جول فيرن” الشهيرة (من الأرض إلى القمر).. القصة معروفة للجميع وهى محاولة “أردان” السفر عبر الفضاء إلى القمر فى كبسولة عن طريق فوهة مدفع عملاق.. القصة الأصلية جاده جداُ، ودقيقة للغاية فى تنبؤاتها العلمية (الأمر الذى جعل وكالة “ناس” تدرس تفاصيلها جيداً وتأخذ منها الخطوط العريضة فى محاولتها الأولى لإطلاق “أبوللو 11″ عام 1969 وإنزال “نيل أرمسترونج” ليكون أول بشرى يخطو فوق القمر).. لكن “ميليس” – ويُنطق أيضاً “ميليه” – هنا حولها إلى معالجة كوميدية راقية لا تمحى من الذاكرة.. والمشهد الشهير لوجه القمر الشبيه بالكعكة والذى تنغرس فى عينه الكبسولة الفضائية أصبح أحد أشهر المشاهد فى التاريخ وعادةً ما يشار إليه فى المراجع كتعريف للفن السينمائى.. أيضاً هناك تتابعات لكائنات القمر التى تختفى وتنفجر عند ضرب البروفيسور لهم بالعصا وهو أحد أفضل تتابعات الخدع وأكثرها خلوداً ونفذه “ميليس” بحرفية فائقة ستجعلك تفتح فاك تعجباً من مهارة هذا الرجل وقدرته الكبيرة فى التلاعب بالشريط السينمائى ؟؟ للأسف معظم أفلام “ميليس” القصيرة فقدت وضاعت إلى الأبد. فى عام 2002 تم إكتشاف نسخة مفقودة من الفيلم فى “بارن” فى “فرنس”.. ومن المدهش أنها ليست فقط النسخة الأكثر تكاملاً الموجودة الأن.. لكن أيضاً هى نسخة ملونة بالكامل يدوياً.. تم ترميمها وعرضت فى العام الذى يليه فى مهرجان “بوردنون” للأفلام الصامتة.

مولد أمه The Birth of A Nation,1915

مدة الفيلم : 3 ساعات و 7 دقائق
إنتاج : أمريكى
إخراج : د. دبليو. جريفيث

أول فيلم روائى طويل فى التاريخ.. فى الحقيقة هو طويل جداً جداً.. “جريفيث” المخرج العبقرى أول من أبتكر المونتاج المتوازى الذى يزيد من حدة وسرعة إيقاع المشهد هو الرجل الذى صاغ معظم أساليب السرد السينمائية المعروفة حالياً والذى لقب بعد ذلك ب”ملك الإنقاذ فى أخر لحظة”.. جمع “جريفيث” كل هذا فى فيلمه الطويل “مولد أمة”.. أو كما لقبه الناقد مدحت محفوظ فى كتابه “دليل الأفلام” ب”مولد فن”.. القصة تؤرخ للحروب الأهلية الأمريكية من خلال علاقات الحب والصداقة بين أسرة شمالية وأخرى جنوبية.. و بالطبع يمجد الجنوب الأمريكى (العجيب أن هذا الفيلم و فيلمُ أخر هو “ذهب مع الريح” الذى يحكى أيضاً عن الحروب الأهلية هما أنجح فيلمين فى التاريخ من ناحية الإيرادات إذا وضعنا فى الحسبان فروق التضخم فى الأموال، فلكى يكسر أى فيلم أخر “مولد أمه” يجب عليه أن يحقق حوالى 3 بليون دولار فى دور العرض، و لكى يكسر فيلم ما “ذهب مع الريح” عليه أن يحقق أكثر من 8 بليون دولار فى دور العرض الأمر الذى يعدو مستحيلاً لأن هذا معناه أن يعرض الفيلم فى جميع دور العالم لمدة سنة كامله !! ، و للعلم فإن أنجح فيلم فى التاريخ بالأرقام المطلقة هو تايتنيك و قد حقق بليون و 800 مليون دولار ، أأدركت الأن حجم الفجوة!!) .. نعود ل”مولد امه” .. معارك هائلة صورت بأخر سنت كان يملكه “جريفيث” – يقال ان تكلفة الفيلم الخرافية وصلت إلى 300000 دولار وهو مبلغ شديد الفداحة وقتذاك – .. الإنجاز الحقيقى لهذا الفيلم هو إكتشاف القدرة الهائلة للوسيط السينمائى فى تحريك و الإستحواذ على إنفعالات و مشاعر المشاهدين.. أو كما قال “جريفيث” بنفسه ان السينما هى “أعظم قوة روحية عرفها العالم”. الموسيقى الأصلية لنسخة 1915 ل”جوزيف كارل برايل” متاحة الأن فى ألبوم مستقل.. بقى أن نعرف أن المخرج “د. دبليو. جريفيث” قد صاغ الفيلم كله فى عقله ولم يكتب له سيناريو أو حتى “ديكوباج” (تقطيع المشاهد إلى لقطات) مطلقاً !!. الفيلم يأخذ رقم 44 فى قائمة معهد الفيلم الأمريكى AFI الأصلية لأفضل 100 فيلم فى التاريخ.

عيادة دكتور كاليجارى Das Cabinet des Dr. Caligari,1919

مدة الفيلم : ساعة و 11 دقيقة
إنتاج : ألمانى
إخراج : روبرت فاين

بداية تدشين ما يسمى بالسينما التعبيرية الألمانية.. و أحد اكثر الأفلام خلوداً وتأثيراً فى نفوس المشاهين المخلصين لسينما الرعب.. تم إقتباسه العديد من المرات بعد ذلك فى أفلام مثل “فرانكنشتين” و”كينج كونج” و”دكتور جيكل و مستر هايد” لم تصل أبداً لمستوى الأصل.. أداء بارانوى عبقرى ل”كونراد فايد” فى شخصية دكتور كاليجارى كان مبالغاً فيه لكنه الأمر الذى خدم الفلم كثيراً.. أما البطل الحقيقى لهذا فيلم لهو فى تصميم مناظره.. الديكورات الغريبة والشاذة المائلة بزوايا حاده غير طبيعية والخلفيات المشوهة جعلت من الفيلم تجربة بصرية شديدة السوداوية.. الأجواء تذكرك بالأحاسيس المقبضة للكوابيس.. هذا التأثير الذى نتج بالأساس من “ميزانسين” رائع للممثلين فى خلفيات من الديكورات الشاذة سالفة الذكر .. بإختصار هو كابوس مجسد كما تراه أثناء النوم بالضبط.. لم يفلح أى فيلم مطلقاً فى خلق أجواء الكابوس كما فعلها “دكتور كاليجارى”.. ساعده فى هذا – وياللغرابة – التقنيات البدائية أنذاك.. فلأن الفيلم صور بالأبيض و الأسود مع مسحة “سيبي” تغطى معظم المشاهد.. بالأضافة للحركة المميزة للممثلين فى الأفلام الصامتة (تلك الناتجة عن عدم ثبات سرعة دوران الفيلم والتى إستقرت بعد ذلك على 24 كادر فى الثانية) .. كل هذا كان عاملاً مساعداً على خلق تلك الحالة المفزعة.. هذا بالإضافة إلى المكياج البارع و حركات العيون الزائغة المجنونة، أكثر ما سيعلق بذهنك بعد المشاهدة هو نظرات عين “كاليجارى” الزائغة تلك .. أيضاً حركات خادمه المنوم “سيزار” اللا إنسانية.. نهاية الفيلم المفاجأة وغير الواضحة ستجعلك تريد إعادة مشاهدته فوراً مرةً أخرى بعد أن تكون قد فرغت منه.. الفيلم يأخذ رقم 50 فى قائمة مجلة “إمباير” لأفضل 50 فيلم رعب فى التاريخ.

نوسفيراتو Nosferatu,1922

مدة الفيلم : ساعة و 34 دقيقة
إنتاج : ألمانى
إخراج : ف. دبليو. مورناو

الذى لا ينام.. أو “نوسفيراتو”.. هذا هو العنوان الذى إختاره المخرج الألمانى “مورناو” لمعالجته السينمائية لرائعة برام ستوكر “دراكيول”.. فعل هذا حتى لا يقاضى قانونياً حيث أن زوجة “ستوكر” كانت ترفض إستغلال حقوق رواية زوجها فى أى عمل سينمائى. الفيلم نموذج أخر للسينما التعبيرية الأمانية، و يرى الكثيرين (لست انا من ضمنهم) أنه أفضل من “عيادة دكتور كاليجارى”.. هنا تجسيد شخصية “دراكيول” كما لم تظهر من قبل أو بعد ذلك.. “دراكيول” فى نوسفيراتو هو كائن ما بين الحيوان و الأنسان بضألة حجمه وأسنانه المدببة كالقوارض ولونه الأبيض الشاحب ومخالبه الطويلة وأنفه المعقوف .. بإختصار هو شىء غير إنسانى بالمرة.. ويختلف تماماً عما قدمه “بيللا لوجوسى” بعد ذلك فى الثلاثينيات حيث قدم لنا “دراكيول” متحضر وذو حضورً طاغ ولكنة إنجليزية رفيعة.. فى نظر معظم النقاد هذه هى أفضل معالجة لرواية “برام ستوكر” ربما بإستثناء نسخة “فرانسيس فورد كوبول” الفائقة فى عام 1992.. أما ما عدا هذين الفيلمين فأى تناول أخر ل”دراكيول” لهو هراء محض .. حتى “كوبول” نفسه عندما قدم الكونت دراكيولا قام بإقتباس هذه الحالة غير البشرية التى قدمها “نوسفيراتو” مع مزجها بأداء “جارى أولدمان” الراقى. التلاعب بالظلال فى نوسفيراتو خلق أجواءً قاتمه ما زالت تمنح القشعريرة حتى الأن.. ولن ينسى كل من شاهد الفيلم مشهد ظلال مخالب الكونت وهى تعتصر قلب المرأة النائمة، المشهد الذى كرره “كوبول” بعد ذلك أكثر من مرة بتصرف قليلاً عن الأصل. دائماً ما نجد “نوسفيراتو” مصحوباً بالظلام والرطوبة وهو ما يعكس حالة أنه شىء خارج التجربة الإنسانية بالمرة.. أما ما ستسشعره عند رؤيتك لأداء “لوجوسى” الأن أنه فيه شىءُ من الإبتذال (أعلم أن هذا الرأى من الممكن أن يثير حفيظة عشاق “لوجوسى”، لكنها الحقيقة التى وضحت بعد مرور السنين.. و هذا لا يعنى أنى أنكر قيمة كلاسيكية أفلام “لوجوسى” و أنها تستحق كل الإحترام)، حيث أن الأداء الراقى للدور أصبح الأن مألوفاً ومعتاداً عليه.. أما “نوسفيراتو فلا يمكن أبداً أن تألف له بصفاته شبه الحيوانية. أحد أفضل الجُمل فى الفيلم تأتى عندما يعرض موثق العقود “جونثان هاركر” صورة زوجته على نوسفيراتو غير عالم بعد أنه مصاص دماء .. عندها يقول المسخ فى تلذذ شبق : “هذه صورة زوجتك .. إن لها حنجرة جميلة !!”

البحث عن الذهب The Gold Rush,1925

مدة الفيلم : ساعة و 36 دقيقة
إنتاج : أمريكى
إخراج : شارلى شابلن

درة أفلام المخرج والممثل والمنتج الأسطورة “شرالى شابلن”.. وأحد أفضل الأفلام فى تاريخ السينما، وبالطبع أفضل فيلم كوميدى على الإطلاق فى رأى الكثيرين.. ولك أن تتأمل فقط بعض الأراء النقدية التى قيلت عنه..

“أكبر برهان على قوة فيلم “البحث عن الذهب” هو أنه لا يوصف بأنه أعظم الأفلام الصامتة، بل يوصف بأنه أعظم الأفلام السينمائية قاطبة”..
جيرالد ماست – مؤرخ سينمائى.

“فيلم رائع يجب أن يكون مادة أساسية فى متطلبات أى دراسة سينمائية”..
كتاب “الأفلام المفضلة”.

“فن التمثيل الإيمائى الذى يستخدمه “شابلن”فى الفيلم يبلغ ذروته.. فحين يدير ظهره للكاميرا فى صالة الرقص يتفوق تعبير حركات كتفيه على أداء كثير من الممثلين الذين يستخدمون عيونهم وشفاههم”..
ثيودور هاف – ناقد سينمائى.

“يبلغ شابلن فى فيلمه (البحث عن الذهب) قمة فنه السينمائى ويعد أكثر أعماله السينمائية تكاملاً، ومن أكثرها تعقيداً بالتطرق لعمق أبعاده السيكولوجية”..
محمود الزواوى – روائع السينمأ.

بالطبع لن أستطيع أن أحصى هنا كم الإحتفاء النقدى والجماهيرى بالفيلم، ويكفى أن تعرف أنه أحب عمل أنتجه “شابلن” إلى قلبه هو نفسه.. ولهذا فهو الفيلم الصامت الوحيد الذى قام بعد ذلك فى عام 1942 بإضفاء تعليق صوتى عليه فى سابقة لم يفعلها من قبل.. ورشح على ذلك لجازتى الأوسكار عن أفضل موسيقى تصويرية وأفضل هندسة صوت.. بالله عليك هل سمعت عن فيلم من قبل يترشح للأوسكار بعد مضى 18 عاماً على إنتاجه !.. هذه واحده من إنجازات البحث عن الذهب التى لا تضاهى والتى أعتقد أنها لن تتكرر. تقع الأحداث فى منطقة ألاسكا قبل أن تصبح ولاية أمريكية، وذلك خلال فترة حمى الذهب – أو كما سميت بهجمة الذهب – فى العام 1898، حيث توجه ألاف الباحثين عن الذهب إلى تلك المنطقة سعياً وراء الثراء.. يعود “شابلن” فى هذا الفيلم إلى الشخصية التى كانت تميمة الحظ بالنسبة له وهى شخصية المتشرد.. ويقدم عرضاً سينمائياً إنسانياً رقيقاً يشتمل على سلسلة من المواقف الكوميدية التى حفرت فى ذاكرة الملايين إلى الأبد، ولعل أشهرها مشهد “شابلن” وهو يلتهم حذائه المطبوخ بعد رش الملح والفلفل عليه ويلتهم رابطتى الحذاء كما تؤكل المكرونة.. هذا المشهد الذى تم إقتباسه عشرات المرات فى العديد من الأعمال العربية والأجنبية.

يبقى أن تعرف ملحوظة مهمه : قد يظن الكثيرين أن “البحث عن الذهب” فيلم ناطق، وقد يحدث هذا الخلط بسبب أن نسخة 1942 ذات الإضفاء الصوتى هى الأكثر إنتشاراً الأن، لكن من المعروف أن أول فيلم ناطق فى التاريخ كان فيلم “مغنى الجاز، 1927″، وبالنظر إلى تاريخ إنتاج “البحث عن الذهب” ستجد أنه العام 1925.. لذا فقد أوردت هذا الفيلم فى الموضوع نظراً لأن الإصدار الأصلى له كان صامتاً.. وهذا بعكس تحفة شابلن الأخرى “العصور الحديثة” التى كان إصدارها الأصلى مصحوباً بتعليق صوتى وبأغنية ل”شابلن” قرب النهاية.. مع العلم أن أول فيلم يعد ناطقاً ل”شابلن” هو “الديكتاتو العظيم” عام 1940.

العالم المفقود The Lost World,1925

مدة الفيلم : ساعة و 6 دقائق
إنتاج : أمريكى
إخراج : هارى أو. هويت

الميلاد الحقيقى لفن “التحريك بإيقاف الكادر”.. وفاتحة لنوع كامل جديد تماماً على السينما هو فيلم الدينوصورات.. والذى تلاه بعد ذلك عشرات وعشرات من نفس النوعية كان افضلها بالطبع تحفة سبيلبرج “الحديقة الجوراسية”.. أول عمل ل”ويليس أوبراين” – أستاذ راى هارى هاوزن – و قبل 8 سنوات من تحفته الخالدة “كينج كونج”. إن مشاهدة العالم المفقود الأن قد تشعرك بكثير من السذاجة، سواء فى بنيتها الدرامية أو فى المؤثرات المستخدمة فيه.. ولكى تستطيع تذوق مثل هذا العمل يجب عليك أن تنسى كل ما شاهدته من إبهار وخدع كمبيوترية فائقة وتعود لعقلية المشاهدين فى عشرينيات القرن كى تعرف وقع مثل هذا الفيلم عليهم. عند تبنيك وجهة النظر هذه – وعندها فقط – ستعلم مدى الصدمة التى حققها هذا الفيلم ومدى الإبهار الذى شعر به المشاهدين عند رؤيتهم له فى قاعات السينما من العام 1925.. هو بالضبط نفس التأثير الذى حدث لنا مع مشاهدة ثلاثية مثل “سيد الخواتم” إن لم يكن أكثر.. وحتى نحن سنقع فى ذات الموقف بعد مرور 80 أو 90 عاماً من الأن.. فالمشاهدين وقتها فى ذلك الزمن سينظروا إلى “سيد الخواتم” كعمل شديد السذاجة من ناحية المؤثرات، و لن يقدر معنى عمل كهذا سوى من سيحاولوا وضع أنفسهم مكاننا كما نفعل نحن الأن مع مشاهدى العشرينيات. القصة مأخوذة عن رواية “أرثر كونان دويل” بذات الإسم.. وهى تحكى عن عالم مجنون سىء الطباع خشن المعاملة مع الجميع يدعى “د.تشالنجر” يقسم على رؤيته لمنطقة فى أمريكا اللاتينية معزولة عن العالم عن طريق جرفٍ هائل مازلت الدينوصورات تقطنها.. طبعاً يكذبه المجتمع العلمى كله وينعتوه بالجنون، إلى أن تقرر مجموعة متباينة من الناس إصطحابه فى رحلة لرؤية مدى صحة دعاؤه، وبالطبع يكون على حق وتبدأ المغامرات.

شىء لم يلاحظه أحد أن فيلم “كينج كونج” الشهير قد إقتبس تتابعات نهايته من “العالم المفقود” .. حيث كونج يهرب فى مدينة نيويورك ويثير الفزع، هنا “برونتوسورس” عملاق يصطاده الفريق ويهرب منهم ليدمر مدينة لندن تماماً محدثاً الكثير من الفوضى.. هذه التتابعات – التى أعيدت عشرات المرات بعد ذلك – أصبحت تنسب فى أصلها ل”كينج كونج” وهذا خطأ شائع.

متروبوليس Metropolis,1927

مدة الفيلم : ساعتين و 33 دقيقة
إنتاج : ألمانى
إخراج : فريتز لانج

ثلاثون ألف كومبارس.. ديكورات بالغة الضخامه.. مدينة ما غامضة تحت الارض.. مدينة علوية ذات أبراج شاهقه.. هذه المفردات جعلت من فيلم “ميتروبوليس” أحد أهم أفلام الخيال العلمى على مر العقود. المخرج الألمانى “فريتز لانج” يقدم هنا نقداً شديد الوطئ للمجتمع الرأسمالى فى الدول المتقدمه.. نظرة تشاؤمية للغاية للمستقبل تقترب من خيالات “هـ. ج. ويلز” الجامحة.. القصة تحكى عن مستقبل فى القرن الحادى العشرين وقد إنقسم العالم إلى قسمين.. عمل شديدى الفقر يعيشون فى مدن تحت الأرض مع الألات – تلك التى اصبحت تتغذى عليهم حرفياً – والساده المترفون يعيشون فى مدينتهم العملاقه غير مكترثين لما يدور تحت الأرض. إبن أحد الاثرياء يقيم علاقه مع فتاه تدعى “ماري” ويسعيان إلى حل مشاكل العمال بطريقه سلميةه.. يعلم ابوه بذلك فيزج ب”ماري” فى السجن.. ويكلف عالم مجنون يعمل فى خدمته بصنع إنسان ألى على صورتها.. ينطلق الإنسان الألى خادعاً الجميع فى صورة “ماري” وسط العمال لتنفيذ مخططات الرأسمالي.. يثور العمال ويحطمون الألات وتحدث كوارث يكونوا هم أول ضحايا لها.. إلى أن تأتى النهايه الغير متوقعه للفيلم والتى تناقض سير وتتابع الأحداث وتعكس وجهة نظره تماماً. الفيلم شديد الإتقان فى صنعه، وأخرجه “فريتز لانج” بحرفيه فائقه جعلته يستحق المركز الاول فى قائمة مجلة (إمباير) لأفضل 10 افلام خيال علمى فى التاريخ.. وأبرز ما فى الفيلم عمل مهندسى المناظر الثلاثة “أتوهومت” و”إيريك كيلهوت” و”كارل فول بريخت” فى تصورهم لمدينة القرن الحادى والعشرين.. وقد صمموا ديكورات مستوحاه أساساً من لوحات الرسام الألمانى “فينجز”.. مع وجود إمكانيات إنتاج هائله قياساً إلى وقت إنتاج الفيلم مما أدى لخروجه بصوره مبهرة.

الكلب الأندلسى Un Chien andalou,1929

مدة الفيلم : 16 دقيقة
إنتاج : فرنسى
إخراج : لويس بونويل

بيانو أسود أنيق قديم الطراز مفتوح وبداخله جثة حمار !! .. رجل يسن موسى الحلاقة و يتقدم إلى إمرأة جميله تجلس فى الشرفة ليشرط بؤبؤ عينها بالموس ويفرغ سوائلها .. كف مثقوبة من منتصفها تخرج منها الحشرات.. هذه هى بعض مشاهد فيلم “الكلب الأندلسى” والمنتمية لعوالم المخرج غريب الأطوار “لويس بونويل”.

ماذا كان يقصد بها؟ ما الذى كان يريد قوله؟ لا أحد يعلم على وجه التحديد.. هى فقط رغبة عنده ونزعة مجنونة لتقديم أى شىء يخطر على باله وفى الوقت الذى يريده.. مهما كان هذا غير متجانس مع نسيج الفيلم بأكمله، إن كان لمثل أفلام بونويل نسيج موحد أصلاً !!.. بالطبع هذا هو مولد السيريالية الحقيقى، وما فعله بونويل هنا لم يسبقه له أحد.. تم هذا بمساعدة صديقه الرسام السيريالى “سلفادور دالى” وقد صنع الإثنان معاً (“بونويل” كمخرج و”دالى” ككاتب ومصمم مناظر) مجموعة من الأفلام أتعبت الجميع وأنقسمت حولها الأراء بشدة.. فمن عشاق معجبين ومؤيدين لها و نقاد يشيدوا بمدى أصالتها وجودتها الفنية، إلى كارهين بشدة لهذه الأعمال لكمية الشذوذ فيها والخروج عن المألوف.

. “الكلب الأندلسى” هو الفيلم الأول ل”بونويل”.. وللغرابة فإنه لا يوجد فى الفيلم أى كلب – أندلسى أو غير أندلسى – ! هو فقط عنوان موفق خلق ليوضع بلا تجانس على مجموعة من المشاهد غير المتجانسة أصلا. اكثر المشاهد إحكاماً فنياً فى رأى الجميع هو مشهد شرط عين المرأة لنصفين بالموسى.. فقد سبق هذا المشهد لقطة للقمر وهو بدر لتعبر من أمامه سحابه رفيعه أتيه من يسار الكادر لتقطعه فى نفس سرعة وإتجاه الموسى، جائت هذه اللقطة التمهيدية لدخول المشهد الصادم الذى يليه كأروع ما فى الفيلم. صور الفيلم فى أسبوعين، وقدم التمويل الكافى ل”بونويل” و”دالى” لإنجاز فيلمهما الطويل السيريالى أيضاً “العصر الذهبى”.

العصر الذهبى L’age d’Aor,1930

مدة الفيلم : 60 دقيقة
إنتاج : فرنسى
إخراج : لويس بونويل

لويس بونويل المخرج غريب الأطوار مرة اخرى يستمر فى تقديم مشاهده الصادمه غير المألوفه والتى لا تنطوى على أى تجانس مع بعضها .. هذه المره فى فيلمه السيريالى الطويل الأول والذى فيه يضع المبادئ الاربعه للسيرياليه كما صنفها الناقد ” بيتر نيكوللز”بعد ذلك. بداية الفيلم ذو طابع تسجيلى لثلاث عقارب تصترع مع بعضها (وهو أفضل مشهد فى الفيلم بأكمله).. ولا يبدو لهذا المشهد أى علاقه بما سيأتى بعده، مع هذا فإن هذه اللقطه تضفى ظلالاً مقبضه على الفيلم كله.

وتعال لنتعرف على المبادىء الأربعة للسيريالية ونطبقها على فيلم “العصر الذهبى” :

أولاً : السيرياليه هى الغرابه وليس هناك اعتراف بأولوية الواقع .. بل بلأحرى لا يوجد شئ إسمه واقع فى الأفلام السيرياليه وكل شئ ممكن الحدوث.. ومن هذا المبدأ نرى مشهداً من فيلم “العصر الذهبى” يقوم فيه رجل بإلقاء أشياء غريبه من نافذة منزله من ضمنها زرافه كامله، و أسقفاً بزيه الكامل بالزخارف والحلى، مع العديد من الأشياء الأخرى العجيبة!.

ثانياً : السيرياليه تعلى من شأن الأحلام وأفعال العقل الباطن.. تمتلئ معظم مشاهد “العصر الذهبى” بغموض الأحلام.. مثل مشهد رجل يتأمل إمرأة تجلس على مرحاض فائق النظافه، ثم يقطع إلى لقطة لحمم وهى تفور وتغلى من أحد البراكين!! (أفهم ما تشاء فلن أفسر أكثر).

ثالثا : السيريالية أداة هدم تتحدى السلطة والقانون والحكومات وتصفع الجميع على وجوههم.. فى مشهد البداية من “العصر الذهبى” نرى مجموعة من علية القوم فى قارب يدنو من الشاطىء ويرسو عليه، لكن هذا ينقطع بصرخات رجل وإمرأة يتمرغان فى الوحل بهستيرية ولا نعرف هل هما فى عناق جنسى مجنون أم أن الرجل يقوم بإغتصاب المرأة !.

رابعاً : السيريالية لا تعترف بأى خجل أو كسوف.. وتطرح مواضيعها على أقسى صورها.. ولا يهم مدى الفحش والشذوذ أو البذائة الذى يتم طرحهم.. وفى مشهد من اكثر المشاهد جرأة فى السينما وقتها.. رجل وإمراة فى خلوة جنسيه فى إحدى الحدائق.. يستدعى الرجل ليرد على تليفون .. عندها تبدأ المرأة فى مص شديد الشهوانيه لإصبع قدم أحد التماثيل!!.

أضواء المدينة City Lights,1931

مدة الفيلم : ساعة و 27 دقيقة
إنتاج : أمريكى
إخراج : شارلى شابلن

الفيلم رقم 76 فى قائمة معهد الفيلم الأمريكى لآفضل 100 فيلم فى التاريخ. قدم المخرج “شارلى شابلن” فيلم أضواء المدينه صامتاً فى الثلاثينيات من القرن الماضى فى عصر السينما الناطقة. هذا فيما عدا الموسيقى التصويريه التى ألفها له.. من الأسباب التى دفعت شابلن الى عدم إستخدام الصوت فى أول فيلم يخرجه فى عهد السينما الناطقه، أنه أدرك أن استخدام الصوت فى الفيلم سيعنى إستخدام أجهزة تسجيل الصوت الجديده غير المتطوره التى كان من شأنها أن ترغمه على استخدام إستديوهات الصوت والتابلوهات لتصوير مشاهد أفلامه وهو مارفض الاذعان له.. ف”شابلن” دائماً ما كان يعتقد – وهو على حق فى هذا – أن الكوميديا تحتاج الى لقطات بعيدة فى حين أن التراجيديا تحتاج الى لقطات قريبه. وكان تسجيل الصوت بهذه الطريقه سيجبره على ابقاء “المتشرد” قريبا من الكاميرا معظم الوقت وهو مالم يرغب فيه.

تحكى القصه عن شخص عاطل يقع فى حب بائعة زهور شابه كفيفه.. وفى نفس الوقت يصادق رجلاً ثرياً يعامله بإزدواج غريب، فهو يكرمه ويغدق عليه الأموال ويصحبه وهو ثمل، وما أن يفيق يقوم بطرده وإهانته. يتكرر هذا الموقف عدة مرات بأكثر من تناول (كوميدى – تراجيدى). يحاول المتشرد الحصول على المال ليساعد حبيبته الشابه الكفيفه وهو لهذا يتنقل بين العديد من الأعمال.. وعندما يحصل أخيرا على المال الكافى يدفعه فورا للعمليه الجراحية التى تعيد البصر للفتاه الكفيفة. ولكن ال”متشرد” يدخل السجن قبل أن تبصر الفتاه. بعدها تأتى تتابعات النهاية المؤثرهة التى وصفت بأفضل خاتمة فيلم فى التاريخ والتى جعلت الكثيرين يقارنوا بين شاعرية هذا الفيلم وفيلم “تايتنك”.. ألف “شارلى شابلن” الموسيقى التصويريه للفيلم كما فعل فى أفلامه الأخرى.. ويقول أن معظم موزعى موسيقاه كانوا يصابون بالدهشه لأن موسيقاه شاعريه وعاطفيه وليست هزليه.. وكان يقول أنه يفعلها عمداً دائما لإضفاء بعد عاطفى على أفلامه. عن جداره يستحق “شابلن” لقب أعظم موهبة فى القرن العشرين.. فلم يوجد بعد من يقوم بكل هذه المهام السنيمائيه من اخراج وتصوير وتمثيل وانتاج بل وتأليف موسيقى دون أن يفلت العمل من بين يديه سوى “شابلن”.. المخرج العظيم “أورسون ويلز” يصف فيلم “أضواء المدينة” بأنه أعظم فيلم شاهده فى حياته.

نادر أسامه محمد
موقع الديفيدي للعرب

أضف تعليق